النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: أنّى لي بحبٍ كحبكِ يا أمَّ مُنيى؟...قصة حقيقية

:wilted_:wilted_rose: رحلنا..تسابقنا النسمات شوقاً إلى تلك البقاع الطاهرة..نطوي الأرض طياً تصاحبنا المشاعر الجياشة، الريح والرمال الذهبية أنيس وحشتنا، والإذاعة القرآنية

  1. مشاركه 1
    رقم العضوية : 39
    تاريخ التسجيل : May 2008
    المشاركات: 41
    التقييم: 50

    أنّى لي بحبٍ كحبكِ يا أمَّ مُنيى؟...قصة حقيقية


    :wilted_:wilted_rose:
    رحلنا..تسابقنا النسمات شوقاً إلى تلك البقاع الطاهرة..نطوي الأرض طياً تصاحبنا المشاعر الجياشة، الريح والرمال الذهبية أنيس وحشتنا، والإذاعة القرآنية المنبثقة من مذياع سيارتنا المتواضعة تدغدغ حواسنا فتحملنا إلى عالم نوراني إيماني جميل..

    كنا ثلاثة والله رابعنا..أمي الغالية وقلبين آخرين اتحدا سوياً كروح واحدة في جسدين: زوجتي الحبيبة وأم طفلتنا الصغيرة(مُنيى) وأنا..جميعنا متجهين إلى أطهر بقعة على وجه الأرض كافة..إلى مكة المكرمة لأداء منسك الحج بإذن الله..
    تركنا الأهل والأحباب والوطن..تركنا فلذة كبدنا(مُنيى)وهي لم تتجاوز العام والنصف..تزاحمنا العبرات وتخنقنا لهفةً ورجاءً لأن نكون ممن يتقبل الله منهم حجتهم فتكون حجةً مبرورةً لا جزاء لها سوى الجنة..نعم الجنة،ثمناً غالياً ندفع نفوسنا إليها،ولن يتأتى الغالي النفيس إلا ببذل النفس والغالي..

    ومن هنا تبدأ قصتي التي لستُ أدري كيف جاءتني الشجاعة لكي أسطرها لكم وأنا أرى تلك القطرات المالحة تُمازج حبر قلمي..ولكن لعلها ذكرى،فالذكرى تنفع المؤمنين..
    وصلنا إلى مكة..شتان بين بلدنا الدمام وبينها.. أصواتٌُ كثيرة تتدفق على مسامعنا قرآن وذكر ودعاء..

    أمسكتُ بزوجتي من جانب وبأمي من جانب آخر ونحن نطوف طواف القدوم..وكأن ابتسامة رضا وسعادة تراءت لي من خلف خمار أم مُنيى، ثم تبعتها دموع دافقة التصق لها خمارها على وجهها،فشددتُ على يدها قائلاً:(لمَ هذه الدموع ياأم مُنيى والله تقبل دعائنا في قدومنا إلى الحج سالمين والحمد له والمِنة.. فلندعوه أن نكمل أداء هذا النسك وان يتقبله منا)
    والتحقنا بالحملة التي تواعدنا معها..ساعات إيمانية جميلة التي مرت علينا..يوم التروية ثم يوم عرفة اليوم العظيم..الكل قضاه مابين دعاء وذكر وتهليل..فاجتهاد يتلوه اجتهاد ودموع منسكبة تزاحمها دموع وأكف ضارعة تمتد صوب السماء وجُل قولها(لا إله إلا الله وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) فهو خير ذكر قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم والنبيون من قبله في هذا اليوم..ثم إلى المشعر الحرام(مزدلفة)سرنا مع مواكب المؤمنين وكأنه يوم الحشر العظيم،والكل أشعثٌ أغبر،والكل في رداء أبيض كالكفن ملفوف حول الجسد شُرع لنا ليربطنا بالآخرة ويُجردنا من ناعم الدنيا وزخرفها..وفي العراء بتنا تُشاكسنا البرودة الشديدة فتزيد من قوة تشبثنا بالألحفة..

    ثم إلى منى مشت الجموع بتكبيرات يقشعر لها البدن سعادةً في يوم العيد الأكبر.. ورمينا جمرة العقبة وسط الزحام الذي خرجنا منه بعون الله..وحلقنا معشر الرجال رؤوسنا ولم استطع نسيان ردة فعل زوجتي حين رأت( صلعتي تبرق)وابتسامة مطبوعة على ثغري وأقول لها(ما رأيك في؟)لقد ظلت لحظةً تحدق في وكأنها لم تتعرفني ثم انفجرت ضاحكة وهي ممسكة بخمارها فقلت لها مازحاً(هل استحق أن أكون أحد لوحاتك الفنية التي تبدعين رسمها بأناملك؟!)فأجابت ولا زالت تضحك( جداً..ولكني لا ارسم ذوات الأرواح كما تعلم) قالتها مازحة..أما أمي فعلقت قائلة(ويش فيك؟! قمر ما شاء الله)طبعاً فكل الأمهات يرين أولا دهن غزلان!!
    :oويتبع ذلك اليوم الحادي عشرة ونمشي المسافات الطويلة إلى مكان الجمرات..
    وكنا طوال تلك الأيام نحدث ابنتنا عبر الهاتف المحمول بالرغم من أنها لا تنطق سوى ببضع كلمات..فأرى دموع الشوق تنسكب من مقلتي زوجتي..
    وكنا ننوي التعجيل..وكان يوماً لايُنسى طوال حياتي، تمنيتُ أن لا أكون حتى لا أرى ماحصل أمام عيني..

    بدايةً نصحني بعض الرجال بأن لا أصحب أمي وزوجتي فالزحام شديد وأغلب الحوادث التي تقع في الحج هي في هذا اليوم..لكننا خرجنا اتباعاً لقدر لانعلم عنه شيئا..الأنفاس شديدة والتدافع عظيم وكأنه يوم الفصل المهول..ً
    أمسكت أمي من جانب وزوجتي من الآخر لكن أمي فجأة تاهت عني فجزعتُ عليها ثم زوجتي هي الأخرى قد بعدت عني من قوة التدافع بين الناس لقد سقطت أرضا وأنا بعيداً عنهاً مع الدفع والحقائب التي يصحبها بعض الناس وقد سقطت منهم أرضاً فعرقلت الماشين (سامحهم الله)
    العشرات داسوا زوجتي بل روحي التي أملك رغماً عنهم.....
    ومن بعيد سمعت صوتَ صراخها فجننت له ،وصرختُ عندما قدمت الشرطة والإسعافات وانتشلت الجثث الملقاة أرضا،دفعتُ الناس ودفعت وجريت حتى وصلت إليها محمولة في سيارة الإسعاف،ً أين الإنسانية أيها الناس؟أين الرحمة ..الكل آثم في مئات القتلى، مسلمٌ يكون سبباً في موت أخيه المسلم!، كنتُ أحمل قلبي الذي تفطر فلم أعد أرى الدرب أمامي، كانت روحها تغرغر..صحتُ باكياً كلا ليس زوجتي الغالية وضممتها إلى صدري كالمجنون في محاولة مستميتة في دفع الموت عنها..لكنها قالت بصوت واهن( إني مودعةٌ أبا مُنيى فلا تبكي علي أرجوك،أنا أريد منك أن تسامحني إن قصرتُ في حقك شيئا،أرجوك سامحني واعتني بصغيرتنا وقل لها بأنني أحبها كثيراً وسأراها بإذن الله في الجنة)،،،

    فقلت وقد التصقت بها بشده كالمجنون (إني مسامحك ياأغلى ما في الوجود..إني مسامحك إي والله) ثم ألهمني الله أن أُشهدها الشهادة فنطقت بها ثم اسلمت الروح إلى بارئها,هنا على صدري صارت جثة بلا حراك بعد أن كانت حية قبل لحظات، وفي لحظات جمدتُ في مكاني بلا حراك تطوف بي أشياء كثيرةٌ من الماضي ابتداء بيوم زفافنا ومروراً بأشهر الحمل وساعة الولادة وضحكات صغيرتنا وأمانينا الكبيرة فيها،أحداثٌ ووجوه ومواقف لا أدري كيف تزاحمت علي في هذه اللحظة المودعة..

    لم أكن أريد ان أنقل خبر نعيها إلى أمها وأهلها لكن لا مفر، صوت عويلها وهو يخرق أذني عبر الهاتف أسال دموعي الحارة،،ماذا سيقولون وقد أهملتُ رعاية فلذة كبدهم؟!
    قال لي شيخ استفتيته عن إثمي: ليس عليك شيء إن شاء الله وإنما هو قضاء الله وقدره الذي كُتب من قبل أن نكون.صلينا عليها ولم أتبين صوت الإمام ولا تكبيراته من فرط نشيجي وكأني طفل صغير ضل عن أبويه،،ووجدتُ أمي في المستشفى قد نُقلت وبها بعض الرضوض..

    الطريق ليس هو الذي أتينا منه قبل عدة أيام والريح ليست هي الريح التي كانت مشتاقة فأضحت تعزف لحناً حزيناً يُبكي القلوب..وصوت أمي وهي تسترجع وتقول(ياليتني كنتُ مكانها..مسكينة لم تتمتع بشبابها ولم تتجاوز الثالثة والعشرين) ومن حين لآخر أتذكر قوله تعالى(إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وجزاء العبد إن صبر في فقد صفيه وحببيه,,
    ضممتُ طفلتي وقد بللتها بدموعي،لحظات كانت تتمناها ونحن في الحج، قسمات مُنيى التي بقيت من ذكراها تطابق قسماتها بلا مفارقات..البيت خاو..وكل شيء يذكرني بها,,كانت به كالحورية تطير يمنة ويسرى وشذى عبيرها يفوح معها كلما تحركت ،ألقيت بجسدي على السرير ثم فزعتُ منه ودمعة عاصيةٌ أخرى تدحرجت على وجنتي فعطرها العالق بوسادتها قد لامس أنفي..والكل يُعاتبني من محتويات عشنا(يالقساوة قلبك كيف قدرت على المكوث مع ذكرياتها بهذه السرعة؟!)وعندما هممت على الخروج من الحجرة استوقفتني إغراضها المرصوصة بعناية، دفاترها وأقلامها على الرف،أحذيتها في الخزانة،الروب الوردي المعلق على مشجب الثياب،ماكياجها وزينتها على طاولة الزينة،وكلماتها المخطوطة في معلقة حائطية..

    خرجت والبيت كله أضحى كلاقط مذياع قد أمسك بصوت ترانيمها كلما أنشدت لمُنيى طفلتنا الصغيرة..
    "أمي التي وضعتني..وفي حماها رعتني..من روحها أرضعتني.. هدىً وعطفاً ونـــــــــوراً.."
    و..".أنت الأمان أنت الحنان، من تحت قدميك لنا الجنان، عندما تضحكين تضحك الحياة تسفر الآمال في طريقنا،نحسُ بالأمان،أمي أمي أمي نبض قلبي نبع الحنان.."
    وعندما تستقبلني كانت تحاول تعليمها:يا بابا ياغالي ما غبت عن بالي ولا شي يهنا لي ياربي تبقى لي..
    تلمستُ الجدران في محاولة مني في سماع المزيد من صوتها الذي أوحته لي خيالاتي ولو للحظة أخرى( اسمعيني صوتك أيتها الغالية الراحلة،إني هنا،زوجك على الجمر يتقلب ،إني هنا فمالذي تفعلينه في قبرك؟! ردي علي بالله عليك)
    ثم أجهشت باكياً ولم أحس إلا بأنامل تهزني فالتفتٌُ فإذا بأمي تقول لي( إنها في حاجة لدعواتنا لا لبكائنا الذي يؤذيها في قبرها).
    .
    وبعدما هدأت نفسي توضأت ووقفت أدعو الله لها كما حرصت على إسعادي وجعل بيتنا جنة آوي إليه في رخائي وشدتي..
    (ربي اغفر لزوجتي واعفو عنها ووسع مدخلها واغسلها بالثلج والماء والبرد ونقها من جميع الذنوب والخطايا كما يٌنقى الثوب الأبيض من الدنس,اللهم واغفر لي خطأي وتقصيري في حقها، اللهم إني اشهدك إني راض عنها فارضى عنها يالله وادعوها من أي أبواب الجنة شاءت، واجمعني بها في مستقر رحمتك على سرر من نور..)تمت
    ********************* ******
    ملاحظة:أنّى بحبٍ كحبكِ أمَّ 3rbe.com_051.gif
    القصة واقعية وقد حصلت في حج عام1426 وقد كنتُ في نفس الحملة التي كانت بها مع زوجها لكنني لم أرها بل قصّت علي قريبتها القصة ولو رأيتها لزاد عذابي فلقد بكيتُ في ذلك اليوم الذي مات فيه الكثيرون...
    ولكنني اسطعتُ ان اسطر الاحداث بمدادي لتبقى قصة مؤثرة...فرحمها الله وغفر لها واسكنها فسيح جناتهفلقد كانت نِعمَ الميته ميتتها....
    ...
    :








    Hk~n gd fpfS ;pf;A dh Hl~Q lEkdn?>>>rwm prdrdm

    توقيع

  2. مشاركه 2
    رقم العضوية : 6
    تاريخ التسجيل : May 2008
    المشاركات: 423
    التقييم: 150

    افتراضي


    رحمها الله وجمعهم فى مستقر رحمته
    قصه رائعه وما ذاد جمالها الكلمات والصور الحانيه والمشاعر الصادقه
    سلمت يداك :icon30:
    توقيع

  3. مشاركه 3
    رقم العضوية : 39
    تاريخ التسجيل : May 2008
    المشاركات: 41
    التقييم: 50

    افتراضي


    :الله يسلمك اخي -الليث الأبيض-
    شكراً على المرور والرد...........
    :Birdy-tine-icon:
    توقيع

  4. مشاركه 4
    رقم العضوية : 13
    تاريخ التسجيل : May 2008
    المشاركات: 257
    التقييم: 80

    افتراضي


    شكرا لكي عصفوره على طرح هذه القصه

    واساله الله العظيم ان يرحمها ويرحم كل المسلمين واسكنهم جناتك

    تقبلوا مروري

    اخوكم / الطيب في هذا الزمن غبي
    توقيع

  5. مشاركه 5
    رقم العضوية : 21
    تاريخ التسجيل : May 2008
    المشاركات: 13
    التقييم: 50

    افتراضي رد: أنّى لي بحبٍ كحبكِ يا أمَّ مُنيى؟...قصة حقيقية


    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

    رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته
    عبارة سلسة وتصوير واضح مليئ بالمشاعر لهذه الرحلة

    نسأل الله تعالى أن يرحم المتوفاة ويعين أهلها وزوجها ويصلح ابنتها ويجعلها من الولد الصالح الذي يدعو لها


    دام قلمك حيا وقلبك نابضا
    توقيع

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. بيتُ الدّرج .. ودُرج البيت !!
    بواسطة أبو أسامه في المنتدى ۩ فيض أقلامهم ۩
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 05-28-2010, 09:14 PM
  2. ( عاقبة بر الوالدين في قصة حقيقية )
    بواسطة صمتي قصيد في المنتدى ۩ إسلاميات عامة ۩
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 03-31-2010, 02:12 PM
  3. إنَّ مِنْ أفْضَلِ أيَّامِكُمْ يَومَ الجُمُعَةِ‎
    بواسطة المهندس في المنتدى ۩ إسلاميات عامة ۩
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 03-14-2009, 03:02 AM
  4. لا تحبس دموعك‎
    بواسطة المهندس في المنتدى ۩ بوح الأعضـــــاء ۩
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 11-20-2008, 09:46 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

vBulletin Skins & Themes 

جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الملكة للجودة

تصميم النور اونلاين لخدمات الويب المتكاملة